القرطبي
354
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الحادية عشرة - قوله تعالى : ( لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) الجملة خبر الابتداء وهو " الذين " . والمعنى من قبورهم ، قاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي وابن زيد . وقال بعضهم : يجعل معه شيطان يخنقه . وقالوا كلهم : يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتا عند جميع أهل المحشر . ويقوى هذا التأويل المجمع عليه أن في قراءة ابن مسعود " لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم " . قال ابن عطية : وأما ألفاظ الآية فكانت تحتمل تشبيه حال القائم بحرص وجشع إلى تجارة الدنيا ( 1 ) بقيام المجنون ، لان الطمع والرغبة تستفزه حتى تضطرب أعضاؤه ، وهذا كما تقول لمسرع في مشيه يخلط في هيئة حركاته إما من فزع أو غيره : قد جن هذا ! وقد شبه الأعشى ناقته في نشاطها بالجنون في قوله : وتصبح عن غب السرى وكأنما * ألم بها من طائف الجن أولق ( 1 ) وقال آخر : * لعمرك بي من حب أسماء أولق * لكن ما جاءت به قراءة ابن مسعود وتظاهرت به أقوال المفسرين يضعف هذا التأويل . و " يتخبطه " يتفعله من خبط يخبط ، كما تقول : تملكه وتعبده . فجعل الله هذه العلامة لأكلة الربا ، وذلك أنه أرباه في بطونهم فأثقلهم ، فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون . ويقال : إنهم يبعثون يوم القيامة قد انتفخت بطونهم كالحبالى ، وكلما قاموا سقطوا والناس يمشون عليهم . وقال بعض العلماء : إنما ذلك شعار لهم يعرفون به يوم القيامة ثم العذاب من وراء ذلك ، كما أن الغال يجئ بما غل يوم القيامة بشهرة يشهر بها ثم العذاب من وراء ذلك . وقال تعالى : " يأكلون " والمراد يكسبون الربا ويفعلونه . وإنما خص الاكل بالذكر لأنه أقوى مقاصد الانسان في المال ، ولأنه دال على الجشع وهو أشد الحرص ، يقال : رجل جشع بين الجشع وقوم جشعون ، قاله في المجمل . فأقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب كله ، فاللباس والسكنى والادخار والانفاق على العيال ، داخل في قوله : " الذين يأكلون " .
--> ( 1 ) في ابن عطية : تجارة الربا . الأولق : شبه الجنون .